مشاركة

بين طه والمدينة

   أسامة فضل

التصنيف:  روايات وقصص قصيرة  

الإصدار: الأول

الملاءمة: جميع الأعمار

هذه حكاية فتى يافع ولد ونشأ في ""بركات"" رئاسة أكبر مشروع زراعي في العالم في ستينات القرن الماضي. تلك البقعة الخضراء الجميلة ألهمته الفن وحب الحياة والجمال. عشق اللون والفرشاة في سنوات طفولته فراح يلون ويرسم أجمل اللوحات على جدار مدرسته. أقام أول معارضه بنادي عمال السكة الحديد في ""ودالشافعي"" ولم يتجاوز عمره الرابعة عشر بعد. ثم معرضاً آخر ولكنه ليس للوحات الفنية هذه المرة وإنما لعشرات الفراشات الزاهية الألوان والتي أمضي شهوراً لجمعها وحفظها في ألواح ورقية مغطاة بورق السولفان. عشق هذا الفتى المغامرات من صناعة قارب ليسبح به في الترعة أو جمع الحيوانات الغريبة من الأفاعي والخفافيش. دفعه حبه للتعرف على خبايا الأمور بالغوص في باطن الأشياء للتعرف عليها. لكن حبه للتعرف على الإنسان كان دافعه الأكبر فبنى لنفسه شبكة من العلاقات الإنسانية بجميع أفراد المجتمع بداية بصغار الحرفيين والبناءين مروراً بالمعلمين وصغار الموظفين ووصولاً إلى كبار المسؤلين من وزراء وسفراء. كان أسلوبه البسيط وعفويته في التعامل يفتح له الطريق للتعرف على الآخرين. إلتحق بالروابط الفنية والمنتديات الأدبية فأقام المعارض وشارك في المنتديات الحوارية الأدبية كما كان ناشطاً فعالاً في مسرح مدينته. في العاشر من يناير لعام 82 وقبل أن يتجاوز عمره الاثنين وعشرين عاماً رسم آخر لوحاته بالدم على أسفلت المدينة عندما خرج مع الآلاف من الطلاب والمحامين والأطباء في مظاهرات عارمة متوجهة لمكتب الحاكم لتقدم له عريضة إحتجاج على إرتفاع الأسعار والمطالبة بالإفراج عن السياسيين وسجناء الرأي. لم تكمل المسيرة المشوار حتى أطلق جندي أرعن الرصاص على الحشود الهادرة فسقط طه عندما أصيب بعدة رصاصات في خاصرته وحول عنقه. تشتت الجموع وانقلبت المدينة ظهراً على عقب ثم تجمعت مرة أخرى وحملت الشهيد ملفوفاً بعلم الوطن وفي نفس المكان أطلق جندي آخر الرصاص على المشيعين فأردي الجثمان مرة أخرى وسقط خمسة من حملة الجثمان شهداء. خرجت المدينة عن بكرة أبيها في وداعها الأخير لطه ورفاقه.

كتب شاعر المدينة محمد محي الدين:
كان الموج يعلو
وطه يوسف عبيد محمولاً على مياه النهر الرائعة
يرتدي قميصاً من السودان
وهلالاً على جبهته من البرق
الذي سوف يأتي
كان"لوركا" يجاذبه أطراف الحديث
وغسان كنفاني يتحدث عن اللون الأساسي
في لوحة طه الأخيرة
وخليل فرح يترنم بالمقطع الأخير من "عازة"
فجأه حدث شيء أشبه بالإرتطام
وسقط طه يوسف عبيد أولاً
سقط ممزقاً للمرة الثانية
تمزقت الصور والألوان