مشاركة

اعترافات فتى العصر

يبدو أن البشرية كتبت تاريخها ذات مرة، وما انفكت إلى الآن تجتره بتنويعات عديدة.
كتبت هذه الرواية في مرحلة وقفت فيها أوربا منهكة على جثة هامدة خلفتها الحروب والنزاعات، وقد تم نشرها عام 1836 وقد بلغ دي موسيه السادسة والعشرين من العمر، منطقًا بطله (أوكتاف) باعترافات لا تحيل إلى الذنوب بقدر ما تحيل إلى الأدواء والعلل والصراعات التي انطوت عليها سريرته وعلى شدة التشابه بين أحداثها وأحداث حياة مؤلفها نفسه فإنه لزام علينا أن نتاولها بوصفها رواية لا سيرة ذاتية؛ فلا المسمى يسمح لنا ولا المعالجة ولا حتى التفاصيل، وإن كان قد اقتبس من حياته الواقعية فلا جرم، إذ أنه ليس الروائي الأول ولا الأخير الذي يفعل هذا، ولا يقتبس لرغبته في نشر قصة ذاتية تخلو من العبرة إنما يسوقها في إطار العصر وظروفه وتفاعلات أحداثه في نفس كل يافع.
وقد تفادى دي موسيه بعض هذا الظن فاستهل الرواية بجملة (لا يدون تاريخ حياته من لم يبتلِ الحياة، فما اكتبه ليس تاريخًا لحياتي) ولعلها تصدر عن نفَسَي دي موسيه وأوكتاف متحدين، فهي تتوخى سرد الحالة العامة المؤرقة المتمحورة حول داء العصر بوصفه أصلاً للتشرذمات المتحصلة وجذرًا للشرور المتأصلة، ولعل السبب ذاته حدا بفليكس فارس -بعد ما يقارب مئة عام- فنقل هذه الدرة إلى العربية، مبصرًا توّحد الحال والمآل في صفوف الشبان، وليتها تعود اليوم إلى المحافل الأدبية ورفوف المقبلين على ربيعهم المطالبين بحرياتهم،
فهي تقتنص لحظة لا بد آتية على عالمنا السائر على خيط مشدود، وقد أتقن فارس ترجمة الرواية لدرجة تفوق الوصف، فإن وجد أي من متناوليها ملالا أو رتابة فإنما يسعه الاكتفاء بقدرات المترجم اللغوية وصوره الفنية البديعة، التي ولا شك تقارب الأصل في الشاعرية ولا تبلغه!
يشكل العنوان عتبة نصية دالة قد تضع الرواية على مقربة من اعترافات روسو، وتسمي صاحبها (فتى العصر) فتنكّره لتعرِّفه بعصره، فهو العلة والداء، لا يترك لفتوته الكثير بل يوحّد حاله وأبناء جيله، لفرط ما يقودهم ويحدد مصائرهم، إلاّ أن أوكتاف أخيرًا يتوقف عن خضوعه للمرض، معلنًا قدرته على رسم المصير رغم مشاركة العصر في تشكيل عوالمه الداخلية والخارجية.
تعرض الرواية في فصليها الأول والثاني للظروف الزمكانية عبر أقوال وصفية عن أوربا والحرية والثورة والحرب ونابليون والشعب والبابا والشعر ومبدعي العصر أمثال (جوته، بيرون، مونتسيكو) ثم يتولى تقديم الرواية سارد عالم الحكي الداخلي Homodiegetic Narrative ليقدم لنا نصًا متجانسًا Homodiegetic يوغل خلاله في الوصف والتعبير الشاعري، يثبت فيه حوارات تصلح –على طولها- للاقتباس، ثم يتحول السرد إلى لسان سارد عالم الحكي الخارجيHetrodiegetic Narrative في الفصل السابع والأخير، وليس هذا الاتكاء على النوع الأول بسبب رتابة الفن السردي في ذلك العصر بقدر ما هو استخدام للأنسب في الاعتراف والبوح، تبدأ الأحداث لدى تعرض أوكتاف لصدمة من العيار الثقيل تتمثل في خيانة خليلته ما يجعله أشبه بورقة في رياح العصر القارسة، تلقيه نحو ديجنه بوصفه الصديق المخلص\ المخلّص فيعيد تشكيل حياته كمقلد، لا تنتهي أيامه إلاّ على بؤس داخلي، ومن ثم يحدث أمر جلل يرجع له بعض صوابه ويضعه على طريق حب جديد مع بريجيت التي تكبره سنًا، وتعيش معه قصة حب عنيفة رغم هدوئها تنتهي على غير المتوقع. لقد كان أوكتاف مفتونًا بجمال العالم ورحابته، فأحاله طارئ إلى يائس متشظٍ يعاني ما يعاني من شك وعذاب، ليكون الشفاء أخيرًا بالتضحية!
وبما أني لم أتمكن من قراءة الأصل فقد تقاربت لدي المستويات اللغوية للشخصيات، لمجيء الترجمة على نسق واحد تقريبًا إذ هي مغرقة في التعبيرات الفنية والصور والتشبيهات وقد استأثر أوكتاف بأوفر قسم بطبيعة الحال إلاّ أن صديقه ديجنه قاربه في المستوى اللغوي، وكذلك كانت بريجيت إذا تمكنت من البوح.
قد تتداخل الأحداث في الرواية مع حياة دي موسيه نفسه بالاعتماد على الثلاثية الحقيقية (دي موسيه، جورج صاند، الطبيب باجلو) أمام الثلاثية المتخيلة (أوكتاف، بريجيت بيارسون، سميث) إلاّ أن هذا التداخل الخارجي لا يعد مثلبة ولا يقلل من عزم التأليف وخلق العوالم لدى دي موسيه، ولا ينفذنا إلى حقيقة شعور دي موسيه إزاء جورج صاند، إلاّ إذا كان النقيض المطروح على هيئة بريجيت هو سبيل انتقام أو وثيقة!
إنه لمن وفير الحظ أن نقرأ هذه الرواية في هذا الوقت العصيب، فإذا فعلنا لن نشعر بوحدتنا الوجودية وسنعلم أن الحرية لا تأتي وفق قانون القفل والمفتاح إنما وفق قانون الكل أو العدم، وهذا الكل هو الداء والدواء، وهو الخير والشر، وهو أيضًا العدل والظلم.
أحببت هذه الرواية بحق، وسأحفظ منها اقتباسات في العقل والقلب، سأعود لها في سنين مقبلة –وقلما أفعل- وسأتمنى على الدوام أن أتمكن من قراءة أصلها الفرنسي، فهو حتمًا ينطوي على دي موسيه شاعرًا فذًّا وروائيًّا متمكنًا.