مشاركة

أطلس طريق الهجرة النبوية مع وصف تاريخي جغرافي جيولوجي للطريق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد: فلقد قمنا بمطالعة عدد كبير من كتب السيرة النبوية، واجتهدنا في دراسة أحداث طريق الهجرة، وكما هو معروف فإنَّ في السيرةِ النبوية أحداثاً تاريخيةً جليلة، غنيّةً بالدلالات والعِبر، تناقلها الرواة منذ العهد النبوي، ودوَّنها علماء ثقات عكفوا على روايتها وتبحَّروا في أغوار معانيها عبر العصور، وما زالت وستبقى منجماً غنياً بالكنوز الثمينة، تتعلم منها الأجيال دروساً في العقيدة والعبادات والسلوك وكرائم الأخلاق إذ السيرة النبوية تمثل الصورة العملية للإسلام. ومن الأحداث التي تضمنتها السيرة النبوية: حدثُ الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وكانت الهجرة بإذن الله تعالى لأمر جلل أراده الله عز وجل، وقد تَّمت الهجرة بتكتم شديد، واتخذت كافة الوسائل البشرية لضمان نجاحها, وخطط للهجرة رسول الله وأبو بكر فقط إن التفاصيل الدقيقة لطريق الهجرة الذي يزيد طوله على 400 كيلومتراً، وكذلك معرفة أماكن المبيت فيه بالتحديد غير معروفة بالتأكيد, أما الأدوار التي قام بها كل من علي بن أبي طالب ، وعبدلله بن أبي بكر، وأسماء بنت أبي بكر، وعامر بن فُهيرة، فقد كانت أدواراً للدعم اللوجستي (الدعم غير المباشر) بين مكة المكرمة وغار ثور لمدة ثلاثة أيام دون معرفة بالخطوة التالية. وقد رصد كُتَّاب السيرة النبوية - جزاهم الله كل خير - هذا الحدَثَ المتميزَ، وتتبّع بعضهم، كابن إسحاق، المواقع التي سار فيها ركبُ الهجرة المباركُ، وحفظوا لنا كثيراً من أسمائِها، وذكروا في حالات قليلة بعض صفاتها بما وسعته معارفهم آنذاك، وتركوا للأجيال التالية مساحاتٍ واسعةً للدراسة، واستكمال المعلومات، واستخراج المزيد من الدلالات والعِبر. وهيئةُ المساحة الجيولوجية السعودية، وهي تقدم هذا العمل، لا تدعي أنَّه مُؤَلَّفٌ لم يسبقها إليه أحد، وإنما ترى نفسها وهي التي تملك من أدوات المعرفة بعلوم الأرض وصفاتها وتنوّع صخورها ما يميزها عن غيرها؛ حيث إنَّها الجهة المختصة، والمخوَّلة بالحديث عن مثل هذه الأمور وتجد من المناسب أن تُوَظِّفَ الأدواتِ المعرفيةَ في خدمة السيرة النبوية؛ إسهاماً في تعميق فهمنا لها، وإدراكنا للعبر التي تتضمنها، مع الاستفادة من معظم ما كُتب سابقاً بعد فحصه وتدقيقه، واستبعاد النصوص غير الموثَّقة من أيِّ مرجع اقتبسنا منه. وعندما تَتتَبَّعُ هيئةُ المساحةِ الجيولوجيةِ السعوديةُ طريقَ الهجرة كما تتبّعه أسلافنا؛ لا تقصد بذلك إضفاءَ قدسية شرعية على هذا الطريق، أو التبركَ به، فهذه أُمور عقَديةٌ محسومةٌ، لا يجوز الابتداعُ فيها، ولكن الهيئة في دراستها المتميزة تسعى لتوثيق ما ذكره أسلافنا بالأساليب العلمية الحديثة، والاستفادة من التوصيف الجيولوجي في تعميق إدراكنا لطبيعة هذا الطريق، وتوجيه الأذهان إلى استيعاب حِفظ الله لرسوله من تلك المهالك والأخطار، وتوجيه تصوراتنا إلى ما عاناه ركبُ الهجرة المباركُ وهو يجتاز الأودية والثنايا والمدالج، ويتحمل مشاقَّ العقبات الصخرية الكأداء، وصخورَ الحرَّات الجرداء، ومخاطرَ السير في سهول مكشوفة، ومرتفعات ذاتِ تضاريسَ متنوعةٍ ربما كان بعضها محفوفاً بالمخاطر، وفرسان المشركين يجدّوُن في البحث عنه ، وقد بذلت قريش الجوائزَ المغرية لمن يأتيهم بالمهاجر الأعظم .ونَوَدُّ أن نؤكّدَ للجميع بأنَّ مسار طريق الهجرة الذي رسمناه لا يعني بالضرورة أنه مطابق تماماً (100٪) للمسار الذي سلكه رسول الله وصحبه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ولكن بوسعنا أن نؤكَّد أنه - إن شاء الله - الأكثر دِقّة من أي طريق آخر ورد في الكتب والمؤلفات السابقة، ويدعم قولنا هذا استخدامنا لخرائط الأقمار الصناعية والخرائط الجيولوجية والطبوغرافية التفصيلية، كما أنَّ فريق هيئة المساحة الجيولوجية السعودية فحص الطريق سيراً على الأقدام وباستخدام طائرة الهيئة العمودية (الهليوكوبتر) وسيارات الدفع الرباعي آخذين في الاعتبار أن رسول الله وصحبه خرجوا من غار ثور في الليل متخفين متجهين جنوباً ثم غرباً جهة طريق الساحل للتمويه، وكان همهم الأكبر هو الابتعاد عن طريق القوافل حتى لا ترصدهم العيون الساعية للحصول على الجائزة الكبرى (مائة ناقة) التي وضعتها قريش لمن يأتي بمحمد r حياً أو ميتاً. نسأل الله السداد في القول والعمل، والخدمة الصادقة المفيدة لسيرة نبيه وخاتم رسله r، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.