مشاركة

الخبز والصمت
محمد علوان

التصنيف:  الروايات والقصص القصيرة  

الإصدار: الأول

الملاءمة: 16 وأكبر.

مقتطف من تقديم الكاتب الكبير "يحى حقي"

قرأت هذه المجموعة بشعور مزيج من الاستعبار والغبطة الاستعبار لأنها ذكرتني بالقصة القصيرة عندنا أيام (المدرسة الحديثة) وكنت من تلاميذها ، نشأت بعد هبة مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، قالبها مستورد ، لاثراء الأدب العربي ومجاراة أوربا، كانت قصصاً واقعية اجتماعية ، مبعثها البحث عن التراث واستقلالها ، طلب اليقظة واللحاق بركب الحضارة ، كما كان يقال لنا منذ تلك الأيام وحتى اليوم كان هذا السابق لا لحاق به أبداً ، عطفها على الطبقة الكادحة ، ورجل الشارع – ما أحببت قط هذا التعبير – هو البطل المحبب اليها أحياناً ترفعه إلى السماء وتمتدحه ، ايماناً به وأنفة له ، وأحياناً تخفس به الأرض ، بل تسبه أفحش السب ، غيظاً من تخلفه وجهالته ، لا تخلو من نزعة إلى الوعظ والارشاد وتتبع عيوب المجتمع بحيث يكون لكل عيب قصة تحاربه ، نظرتها إلى الخارج ، اهتمامها بالحدوتة ، ترتيب الزمن وأعضاء القصة محترم ، البطل فرد لا جموع ، ليس لها تريث عند الجو أو المكان لتكشف عبقريته ، أستاذة هذه المدرسة هم موباسان وشيخوف وبالأخص جوركي ، كانت هذه القصص رخوة ملساء ، لا تنغرس فيها أشواك ولا تشقها طعنات ، غير مؤذية ، ليس لها أنياب ومخالب ولا خرطوم بعوضة يخرم الجلد ليمتص الدم ، الجملة فيها سطر ونصف على الأقل ، الفعل والفاعل والجار والمجرور في مكانها ، طريقها معبد لا يتعثر فيه طفل يتعلم المشي ، الأسلوب يقود ذهن القارئ لا يطلب منه الوثوب لملء فراغ بعد حشوه لغواً والبركة في الواوات والغاءات وعند الاعتراض الذي لا يخفى موضعه ويعد حشوه لغواً لابد من لكن وانما وبالرغم من … فالربط بين الجمل لفظي لا ذهني ، أسيرة البلاغة التقليدية ، لم تهتد إلى لغة خاصة بها تميزها عن لغة باقي فروع فن القول ، أكانت لها براءة البكر أم سذاجة الطفل؟
الاستعبار حين أسأل أين هي هذه القصة؟ انتقلت من السوق إلى المتاحف ، قريبة هي منا جداً ولكن كأنها تردت في ماض سحيق ، عفا عليها الزمن ، فدورانه اليوم مفلوت العيار ، وأصبح للعصر الذي نعيشه قصته القصيرة إذا قيست بالقديمة قيل أنهما جنسان مختلفان وإن انتسبا إلى أب واحد.

والغبطة لأنني أحس مع هذه القصة القصيرة أنني أعيش عصري ، ومتحرك معه ، وهذا شأني مع كل المدارس الحديثة في مختلف الفنون ، وان كسرت مظاهر القواعد الموروثة ، أحمد لها صدقها في التعبير عن زمنها ، في هذه القصة الحديثة تضاءلت مكانة الحدوتة ، تركز الاهتمام على الشعور ، النظرة في أغلب الأحوال إلى الداخل لا إلى الخارج قل فيها التشبيه ، وكان بين المادي والمادي أو بين المعنوي والمعنوي فان مالت إليه جمعت الكل في قبضتها. كسرت ترتيب الزمن ، أصبحت أكثر جرأة على معالجة الجنس ، مأساتها الأولى اغتراب الإنسان ، الجموع لا الفرد هي البطل أحياناً {قصة السور ليوسف ادريس} وأحياناً هو المكان (السلخانة لاسماعيل ولي الدين).