مشاركة

بجناح واحد

كتابٌ كما تقول صاحبتُه صغير..
دعوني أخالف المؤلفة العزيزة من البداية.. أظن لا بأس في ذلك؟ ربما يعزز الخلافُ المودّةَ.. أحياناً!
لا كتاب صغير أبداً.. إن الكتاب لوحده أيا كان، إما نزهة عقلية، أو نزهة عاطفية، أو نزهة معرفية.. كلُّ كتابٍ نزهةٌ، والنزهةُ لا يمكن أن تكون في مكان صغير.. فالعقلُ الإنساني حديقة واسعة، في الحقيقة، ربما أوسع الحدائقِ على الإطلاق بتنوعها وخفاياها.

إن قال لك مكتشفو الأرض أن الأرضَ أكتُشفتْ بكل سنتمتر فيها، فقد صَدقوا. وإن جاء من يقول لك أنهم أكتشفوا كل العقل بما فيه، فهم أبعد ما يكونون عن الصدق. في كتابٍ اقتنيه، ألـّفَه مجموعةٌ من أكبر علماء المخ والأعصاب، ضخمٌ عرضاً وطولاً لا يسعه الرفُّ واقفاً، مكوّن من أكثر من ألف صفحة من القطع العملاق، عنوانه "المخ".. كتبوا مقدمة صغيرة لما انتهوا من المشروع الكبير والبالغ التعقيد، هي كما يلي:" .. بعد كل هذا نجدُ أنفسَنا أمام الدماغِ كطفلٍ صغيرٍ يلعب بالترابِ أمام ساحلِ محيطٍ عظيم".
لا كتاب صغير، لأنه ليس هناك فكرة صغيرة في الأصل، ولأن العقلَ أعتزّ به الخالقُ أكثر من الكون الشاسع. وفي هذا الكتاب بوحٌ عاطفي، لم يكن بوحاً متجدّداً ثائراً، بل بوحُ في مراسلات، أستُقطع عمداً بجناحٍ واحد.. مضى عليها زمنٌ ومضت عنه -ربما- حرارةُ وشوقُ العاطفة، وبقي ذاك الرهَف الذي يبقى على ورقة بعد نسيمٍ فجري، وتلك الرنّة الموسيقية المترددة الفالتة بعد انتهاءِ سمفونيةٍ كبيرة.. بعد الربيع وهو يحمل أناقته، ليترك وراءه عبقَ تلك الأناقة..

شيء كهذا ذاك الذي تكتب عنه الأستاذة رحاب أبوزيد، التي يمكنها الكتابة احترافياً بمواضيع جادة متنوعة في أكثر من حقلٍ فكري وإنساني، إلا أنها هذه المرة بكتابها، بأفكار عاطفتها، وبذكاء وجدانها تبنت رسائل قديمة.. ونفضت عنها غبارَ زمنٍ عابق، وقررت أن تبعثَ فيه الألـَقَ من جديد، قررت أن يكون مع طلوع الشمس أن تظهر أشياء قد غمرها لفترةٍ الظلام، وحان أن تتجمل بالضياء.. أو يكشف الضياءُ ذاك الجمال..
في جزيرة استوائية بركانية حيث تكوّن التربة التي كانت يوماً صهيراً حممياً اندفع ثائراً من جرف البراكين، ثم بردت واستقرت مع عناصر الأرض والتربة، تتكون أخصب أراضي الدنيا، وتكون النباتات والأشجار خضراء زاهية يقطر منها الانتعاش، ونخيل جوز الهند باسقات ومائلات تداعب سعفاتها الداكنة الخضرة بلمعان الارتواء، مويجات الساحل بشقاوة لانهائية. تعيش فيها فراشات من أجمل فراشات الأرض، أكبر حجماً وأنصع تعدداً في الألوان، تقتات على أغنى رحيق أزهار في الدنيا. فراشات نادرة هي الوحيدة التي تدافع عن نفسها باللسع، إلاّ أن لسعتها، من حيث لم تقصد، تترك شعوراً لطيفاً وادعاً على مسام الجلد ثم يتلون الجلد على شكل مثلث يراه الناس بشكل قلوب، فسموّها أيضاً فراشات القلوب..

رحاب أبوزيد في زهراتها المنثورة ببستان الكتاب تدافع ببعضها عن مشاعرها، فتترك أثراً أجمل لتأجج عاطفي كالألوان في طلاوتها الأولى.. وكأنها ضمن إحدى أخواتها.. فراشةُ بركان!
صحيح أنها من طرفٍ واحد.. وجناحٍ واحد، ولكن الغريب أنها قابلة للطيران بجناح وحيد ضد قوانين ديناميكية الهواء.. أو أن هناك جناحاً خفاقاً، ولكن لا نراه بالمباشرة، وإنما نراه من الرسائل التي لم تكن فعلاً أحادية الجانب.. جناح تتخيله من وجوده، أرادت المؤلفة أن لا نراه، فرأيناه.. طارت الرسائلُ بنجاح، ولامستْ سقفَ سحُب نبضٍ بشري .. تلك السحب التي تجوبُ سماءَ الأبد.

استمتعوا، فهي ربما تجربةُ طيرانٍ من نوعٍ آخر.. بجناحٍ واحد!

نجيب عبدالرحمن الزامل